في مملكة تُعيد رسم ملامح مستقبلها وفق رؤية طموحة تمتد حتى عام 2030، لم يعد التحوّل الرقمي مجرد شعار يُتداول في قاعات المؤتمرات. صار التحول الرقمي واقعاً يعيشه المواطن السعودي يومياً، من دفع فاتورته عبر هاتفه إلى إدارة مشروعه التجاري من خلال تطبيق، إلى متابعة أحدث التطورات في عالم الذكاء الاصطناعي على شاشة صغيرة في راحة يده.
غير أن هذا التحوّل لم يكن ليتجذّر في الوعي الجمعي لولا صنف خاص من البشر: المؤثرون التقنيون. هؤلاء الذين اختاروا أن يجعلوا من التقنية محتوى، ومن الخبرة الرقمية رسالةً، ومن منصات التواصل الاجتماعي قنوات توعية متخصصة. شهدت المملكة العربية السعودية تطوراً مذهلاً في مجال التقنية والرقمنة، مدعوماً برؤية 2030، ومع هذا التقدم ظهر جيل جديد من المؤثرين في التقنية الذين قادوا هذا التحول، وأصبحوا أصواتاً فعالة في توجيه المجتمع نحو التوعية الرقمية وفهم الابتكارات الحديثة.
في هذا المقال، نرصد أبرز هذه الأصوات، ونستعرض مسيراتهم وإسهاماتهم، ونحاول أن نفهم لماذا يستمع الملايين إليهم.
السياق الحاضن: السعودية ومنظومة التقنية الصاعدة
قبل الحديث عن الأفراد، لا بد من استيعاب البيئة التي نشأوا فيها. تسعى المملكة العربية السعودية إلى ترسيخ مكانتها كمركز للبيانات والذكاء الاصطناعي عبر مبادرات الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي SDAIA، وتمثلت الإنجازات في تفعيل تطبيقات واسعة النطاق للذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي والخدمات الأمنية.
هذه البيئة المتسارعة أفرزت طلباً جماهيرياً حقيقياً على من يُبسّط هذا الزخم، ويُحوّله من معادلات معقدة إلى محتوى مفهوم وقابل للتطبيق. وهنا تحديداً برز المؤثرون التقنيون السعوديون ليملأوا هذه الفجوة.
تلعب مؤتمرات تقنية سعودية مثل “ليب” و”ستيب” دوراً مهماً في ربط المؤثرين بالشركات والمبتكرين، كما تمنحهم منصة لتقديم رؤاهم ونقل تجاربهم وبناء علاقات مهنية مع خبراء المجال.
أولاً: عبدالله السبع — أيقونة التقنية العربية
إذا بحثت عن اسم واحد يمثّل المؤثر التقني السعودي في الوعي الجمعي، فالإجابة شبه مُجمَع عليها: عبدالله السبع.
عبد الله السبع إعلامي تقني ومقدم برامج سعودي متخصص في التكنولوجيا، ولد عام 1991م، وبدأ كتابة المحتوى التقني عام 2009م.
ما يلفت الانتباه في قصة السبع أن مسيرته التقنية لم تنطلق من تخصص أكاديمي في الحاسوب أو الهندسة، فهو حاصل على بكالوريوس في المحاسبة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 2014، وأتمّ البرنامج التنفيذي “كيف تصبح متحدثاً رسمياً لمنظمة” من جامعة ستانفورد عام 2021. قصة نجاحه هي قصة الشغف الذي يسبق الشهادة.
على صعيد الحضور الرقمي، يتابعه على إنستغرام أكثر من 6 ملايين متابع، وهو المحرر التقني في صحيفة الإندبندنت العربية ومقدم برنامج تيك بلس في قناة الشرق. وعلى تيك توك، تجاوزت تسجيلات الإعجاب بمحتواه 27 مليون إعجاب.
عبدالله السبع خبير تقني سعودي ومحرر تقني في صحيفة إندبندنت العربية، وصاحب تطبيق باسمه، ومدون يوتيوب يملك قناة متخصصة في مجال التقنية، وله اهتمام كبير في مجال التقنية والاتصالات.
ما يميّز السبع عن كثير من المؤثرين التقنيين هو مزجه بين التبسيط ومتابعة الجمهور الواسع من جهة، والمهنية الإعلامية من جهة أخرى، إذ لا يكتفي بإنتاج محتوى على المنصات الرقمية، بل يمتد حضوره إلى الإعلام التلفزيوني والصحافة المكتوبة. نال “جائزة المؤثر المفضل” من قِبل الهيئة العامة للترفيه.
ثانياً: سعود الهواوي — رائد التدوين التقني العربي
قبل أن تأتي حقبة يوتيوب وتيك توك، كانت المدونات هي الميدان الأول للتعبير الرقمي. وفي تلك الحقبة المبكرة، كان سعود الهواوي من أوائل الأصوات السعودية التي رفعت لواء المحتوى التقني العربي.
سعود الهواوي مدون تقني ومؤسس لموقع “عالم التقنية”، يحب متابعة كل ما يتعلق بجديد التقنية خصوصاً تطبيقات الويب.
موقع “عالم التقنية” الذي أسسه الهواوي بات مرجعاً للقارئ العربي الباحث عن محتوى تقني موثوق باللغة العربية. وقد أسهم في رسم ملامح الصحافة التقنية العربية في مرحلة التأسيس، وهو ما يجعله شخصية محورية في تاريخ المحتوى التقني السعودي حتى لو طغى عليه الجيل الأحدث بأعداد المتابعين.
ثالثاً: Mesmar — حيث يلتقي عالم التقنية بعالم الألعاب
شريحة الألعاب الإلكترونية تمثّل واحداً من أسرع قطاعات محتوى التقنية نمواً في المملكة، ويقف Mesmar في صدارة هذا الميدان.
Mesmar يوتيوبر سعودي مختص بالمراجعات التقنية وألعاب الكمبيوتر. يمتاز أسلوبه بقدرته على دمج التحليل التقني الدقيق للأجهزة والمكونات، مع الأسلوب الترفيهي الذي يستهوي جيل الشباب. فهو لا يكتفي بعرض الألعاب، بل يتناول أجهزة الكمبيوتر ومكوناتها وأدوات الألعاب بعين تقنية متخصصة.
قطاع الألعاب في السعودية ينمو بمعدلات مذهلة، وقد باتت المملكة وجهة عالمية لكبرى فعاليات الرياضات الإلكترونية. وفي هذا السياق يكتسب محتوى Mesmar أهمية مضاعفة، كونه يخاطب جيلاً يرى في الألعاب مشروعاً احترافياً محتملاً لا مجرد وسيلة ترفيه.
رابعاً: تركي المحارب — في عمق الذكاء الاصطناعي
إذا كان بعض المؤثرين يتناولون التقنية من بوابة المنتجات الاستهلاكية كالهواتف والأجهزة، فإن تركي المحارب يسلك مساراً أعمق وأكثر تخصصاً.
تركي المحارب متخصص في الذكاء الاصطناعي وتطوير التطبيقات. في عالم يتسارع فيه تطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة تُعجز حتى المتخصصين عن المتابعة، يحتل المحارب موقعاً مهماً بوصفه مرجعاً عربياً يُبسّط هذا الميدان الهائل ويُقرّبه من المهتمين والمحترفين على حد سواء.
محتواه يستهدف شريحة أكثر نضجاً تقنياً، من المطورين الطموحين إلى رجال الأعمال الساعين إلى فهم كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في مشاريعهم. وفي ظل التركيز السعودي المتصاعد على بناء كوادر وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي، يبدو دوره في الفضاء الرقمي متوافقاً تماماً مع متطلبات المرحلة.
خامساً: فيصل السيف — الموضوعية في عصر الإعلانات
فيصل السيف صانع محتوى تقني يُعد من أبرز الأسماء في مجال مراجعات التقنية في العالم العربي، واشتهر عبر قناته على يوتيوب بحلقاته المتخصصة في مراجعة الهواتف.
في بيئة إعلانية يصعب فيها الفصل بين المحتوى الحر والمحتوى المدفوع، تُشكّل ثقة الجمهور العملةَ الأثمن لأي مؤثر تقني. وهذا بالضبط ما رسّخ مكانة فيصل السيف في الوعي الجمعي لمتابعي التقنية: مراجعات مبنية على تجربة فعلية واضحة المنهجية.
لم يقتصر تأثيره على منصة بعينها، بل امتد عبر قنوات متعددة، مما أتاح له بناء جمهور متنوع يضم مختلف الفئات العمرية والمهنية، من الطالب الذي يبحث عن هاتفه الأول إلى المحترف الباحث عن أفضل أداة لعمله.
سادساً: أمجاد القحطاني — ريادة المرأة في مجال التقنية
لا يكتمل حديث عن المؤثرين التقنيين السعوديين دون إعطاء مساحة لصوت يمثّل نصف المجتمع في ميدان طالما بدا ذكورياً.
أمجاد القحطاني تركز على تعليم التقنية للفتيات. في مجتمع شهد في السنوات الأخيرة تحولات جوهرية في المشاركة الاقتصادية للمرأة، يأتي محتوى القحطاني ليسد فجوة حقيقية. إنها لا تبسّط التقنية فحسب، بل تُقدّمها في سياق يخاطب الفتيات والنساء بلغة قريبة من تجاربهن، ويدفعهن نحو المشاركة في مسار التحول الرقمي لا مجرد الاستهلاك السلبي لنتائجه.
سابعاً: إبراهيم السويلم — حين تلتقي العلوم والتقنية
إبراهيم السويلم مؤسس محتوى علمي مبسط في الفيزياء والتقنية.
ما يُميّز السويلم هو قدرته على بناء جسر بين الفيزياء والعلوم الأساسية وبين تطبيقاتها التقنية المعاصرة. هذا النوع من المحتوى نادر وثمين، لأنه يمنح المتابع ليس مجرد معرفة بالمنتجات والتطبيقات، بل فهماً أعمق للمبادئ التي تقوم عليها التقنية المحيطة به. وهو بذلك يستهدف جيلاً كاملاً من الشباب السعودي المهتم بالعلوم، ويوجّههم نحو التفكير العلمي وليس الاستهلاك التقني فقط.
سمات جيل المؤثرين التقنيين السعوديين
بالنظر إلى هذه الأسماء مجتمعةً، يمكن رصد جملة من السمات المشتركة التي تُعرّف هذا الجيل:
أولاً: التبسيط الذكي. يشكّل هؤلاء المؤثرون جسوراً بين التطور التكنولوجي والمجتمع العام، إذ يسهمون في توعية المستخدمين وتبسيط المفاهيم التقنية، باستخدام أسلوب مبسط ومرئي لشرح المفاهيم.
ثانياً: الحضور متعدد المنصات. نجح المؤثر التقني السعودي في عدم الاعتماد على منصة واحدة، فتجده على يوتيوب ويدير حساباً نشطاً على سناب شات وإنستغرام وتيك توك وإكس. هذا التوزيع يحميه من تقلبات خوارزميات المنصات ويوسّع دائرة تأثيره.
ثالثاً: التأثير في قرارات الشراء. يعمل المؤثرون كحلقة وصل بين العلامات التجارية وجمهورهم، مما يجعلهم عنصراً أساسياً في استراتيجيات التسويق الحديث، ويتجلى دورهم في قدرتهم على تعزيز وعي الجمهور بالمنتجات والخدمات مما يؤدي إلى زيادة التفاعل والمبيعات.
رابعاً: التجديد المستمر. المؤثر التقني لا يعيش على إرث بل على الحاضر المتجدد. هذا يعني إعادة اختراع نفسه باستمرار مع كل موجة تقنية جديدة، من عصر الهاتف الذكي إلى عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي.
التحديات التي تواجه هؤلاء المؤثرين
لا تسير مسيرة المؤثر التقني على أرض مستوية دائماً. ثمة تحديات حقيقية تواجه هذا القطاع:
تغيّر الخوارزميات: يواجه بعض المؤثرين تحديات تقنية مرتبطة بخوارزميات المنصات التي تتغير باستمرار، مما يؤثر على مدى وصول محتواهم، وهذه التحديات تتطلب مرونة عالية وقدرة على التكيف المستمر للبقاء في دائرة الضوء.
المنافسة العالمية: المؤثر التقني السعودي لا يتنافس فقط مع أمثاله في المنطقة، بل يواجه محتوى تقنياً عالمياً بإمكانات إنتاجية ضخمة. تتضمن تحديات المؤثر التقني السعودي المنافسة مع مؤثرين عالميين بلغات مختلفة، لكن هؤلاء المؤثرين أظهروا قدرة على تجاوز هذه التحديات من خلال بناء علاقات قوية مع الجمهور واستخدام أدوات التحليل الحديثة.
الحفاظ على المصداقية: في ظل العروض الإعلانية المتواترة من الشركات، يجد المؤثر نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يحقق عائداً مادياً دون أن يُفقد جمهوره ثقته به؟ هذا التوازن هو ما يفصل المؤثر الجاد عن غيره على المدى البعيد.
البُعد الاقتصادي: صناعة قائمة بذاتها
إلى جانب السوق الإعلاني المباشر، أوجد المؤثرون السعوديون فرصاً استثمارية ثرية؛ وكالات متخصصة في إدارة حساباتهم، ومنصات تقنية تدعم قياس التأثير، وشركات ناشئة تقدم حلولاً للتسويق عبر المؤثرين، كلها مجالات استثمارية جديدة ازدهرت بفضل هذا الحضور. بعض المؤثرين أنفسهم استغلوا قوتهم لبناء مشاريع تجارية خاصة سواء في عالم الأزياء أو المطاعم أو التطبيقات التقنية.
التأثير التقني لم يعد مجرد هواية أو منبراً للتعبير، بل تحوّل إلى مسار مهني حقيقي ومشروع اقتصادي قائم. وهذا ما يجذب جيلاً جديداً من الشباب نحو صناعة المحتوى التقني، مما يُغذّي دورة متجددة من المواهب والأصوات.
الأثر على التحول الرقمي الوطني
تتجاوز إسهامات هؤلاء المؤثرين حدود الترفيه والتسلية. التأثيرات الإيجابية لهذا المحتوى تشمل: تعزيز المعرفة بأساسيات التقنية بين غير المتخصصين، ودعم ثقافة التجارب التقنية الجديدة بعيون محلية، وتحفيز الشركات على تحسين منتجاتها من خلال النقد البناء، وبناء ثقة الجمهور بالتقنية من خلال محتوى نزيه.
هذا الأثر يتوافق مع الطموحات الوطنية المُعلنة في إطار رؤية 2030، التي تضع الاقتصاد المعرفي وتمكين الكوادر الرقمية في قلب مشروعها التنموي. واصلت مبادرة “مليون سعودي للذكاء الاصطناعي” (سماي) تقديم برامج مكثفة لبناء القدرات الوطنية. وفي هذا السياق يمثّل المؤثرون التقنيون الجناح الشعبي لهذا التوجه، الجناح الذي يصل إلى ملايين الأفراد خارج أسوار المؤتمرات والبرامج الرسمية.
ظاهرة المحتوى التقني النسائي: حضور متصاعد
من أبرز التحولات في مشهد المؤثرين التقنيين السعوديين هو الحضور المتصاعد للمرأة في هذا القطاع الذي كان تاريخياً ذكورياً بامتياز. فإلى جانب أمجاد القحطاني، برزت أسماء نسائية عدة في مجالات متنوعة من التقنية. ظاهرة تعكس التحولات الاجتماعية الواسعة التي تشهدها المملكة، وتُبشّر بتنوّع أكبر في صناعة المحتوى التقني السعودي مستقبلاً.
خلاصة: المؤثر التقني في قلب التحوّل
المؤثر التقني السعودي اليوم ليس مجرد شخص يفتح علبة هاتف جديد أمام الكاميرا، أو يُعلّق بحماس على آخر إصدارات Apple أو Samsung. إنه جزء من منظومة تحوّل اجتماعي وثقافي أشمل، يُعيد تعريف علاقة الإنسان السعودي بالتقنية: من علاقة استهلاك إلى علاقة فهم ومشاركة وإبداع.
أصوات من أمثال عبدالله السبع وسعود الهواوي وفيصل السيف وتركي المحارب وأمجاد القحطاني وإبراهيم السويلم وغيرهم لا تُقدّم محتوى فحسب، بل تُقدّم ثقافة. ثقافة تقنية عربية أصيلة تُجيب بلغة الضاد عن أسئلة العصر الرقمي.
في نهاية المطاف، ربما يكون أعظم إنجاز لهؤلاء المؤثرين هو أنهم أثبتوا شيئاً بسيطاً لكنه عميق: التقنية ليست حكراً على لغة بعينها أو ثقافة بعينها. التقنية للجميع، وأصواتٌ سعودية تُثبت ذلك كل يوم لملايين المتابعين.